لحظات الأحداث التاريخية الكبرى ... هي في الحقيقة عوامل التقدم التاريخي للشعوب. لم يكن عاشوراء أكثر من نصف نهار، لكنه زلزل التاريخ وغيّره...
أحياناَ يكون الحدث عميقاَ وحكيماَ ومناسباَ في حياة الأمة إلى درجة أن تأثيراته تبقى إلى سنين طويلة، بل ربما إلى قرون متعاقبة...
محرم من هذه المحطات التاريخية. لقد حفظ الشيعة عاشوراء بكل وجودهم. لاحظوا أن ذكرى الإمام الحسين، واسمه، وتربته، وعزاءه لم يفارق طوال أعوام متمادية أتباع أهل البيت والمؤمنين بهم أبداَ. لم يتخلّوا عن هذه الأمور رغم كل الجهود التي بذلت لذلك. سمعتم بما فعله المتوكل وقطعه طريق الزوار. هذه هي الجهود والمعارضات المشهورة جداَ، وقد كانت هناك على مر الزمان معارضات كثيرة جداَ اتخذت شكلاَ علمياَ في الظاهر، أو شكلاَ عاطفياَ، أو شكلاَ تجريبياَ، لكن الشيعة صمدت ويجب أن تبقى صامدة.
يقولون لِمَ تروّجون للمآتم والبكاء والدموع بين الناس؟ هذه المآتم والدموع ليست للمآتم والدموع، إنما هي للقيم. ما يكمن وراء هذه التعازي، واللطم على الرؤوس والصدور، وذرف الأدمع هو أعزّ ما يمكن أن يوجد في كنوز الإنسانية. إنها تلك القيم المعنوية الإلهية. إنهم يرومون المحافظة على هذه القيم التي جسّدها الحسين بن علي وكان مظهرها. إنها ذكرى هذه القيم وحفاظٌ عليها.
إذا حافظت الأمة الإسلامية على اسم الحسين وذكراه وجعلته نموذجها فسوف تجتاز جميع العقبات والمشاكل. لذلك نرى الجميع - الجماهير، والمسؤولين، والشخصيات الكبيرة، وشخص إمامنا الجليل(الامام الخميني قدس سره) - يشددون في سياق الثورة الإسلامية وفي نظام الجمهورية الإسلامية من أولها إلى آخرها، على قضية الإمام الحسين وعاشوراء والتعازي الجماهيرية. وهذا التشديد في محله. لهذه التعازي جانبها الرمزي ولها جانبها الحقيقي... إنها تقرّب القلوب إلى بعضها وتنوّر المعارف وتجليها.
طبعاَ على الخطباء، والوعاظ، والمداحين، والرواديد أن يتنبّهوا جميعاَ إلى أن هذه حقيقة عزيزة ينبغي عدم التلاعب بها. ينبغي عدم اتخاذ حقائق حادثة عاشوراء ألعوبة يضيف لها كل شخص شيئاَ، ويعلّق بها خرافة، ويقوم بممارسات غير معقولة باسم العزاء. هذه أمور يجب أن لا تقع. هذا ليس تحيزاَ للإمام الحسين. ذات مرة تحدثنا حول مواكب التطبير وإذا بالبعض هنا وهناك ترتفع أصواتهم: يا سيدي هذا عزاء الإمام الحسين، لماذا يُعارض عزاءُ الإمام الحسين؟! هذه ليست معارضة للعزاء، إنما هي معارضة للتفريط بالعزاء وتشويهه. ينبغي عدم تشويه عزاء الإمام الحسين. المنبر والمجلس الحسيني مكان لعرض الحقائق الدينية الحسينية. ينبغي أن تصب الأشعار والأنشطة والمدائح والردّات بهذا الاتجاه. لاحظتم في محرم سنة (1978م) أن مواكب اللطم انطلقت في بعض المدن مثل يزد وشيراز ومناطق أخرى ثم انتشرت في كل البلاد، كانوا يلطمون ويعرضون في رداتهم حقائق عصرهم التي يمدون الجسور بينها وبين حادثة عاشوراء... وهذا هو الصواب.
قبل سنوات من الثورة كان المرحوم الشهيد مطهري يهتف في حسينية إرشاد بما مضمونه: والله اعلموا أن الشمر اليوم هو... ثم يأتي باسم رئيس وزراء إسرائيل الصهيوني آنذاك. وهذا هو الواقع. نحن نلعن الشمر لنستأصل حالة الشمر والعمل بطريقة الشمر من العالم. إننا نلعن يزيداَ وعبيدالله لنجابه حكومة الطاغوت والحكومة اليزيدية، وحكومة التهتك والفساد وحكومة ظلم المؤمنين في العالم. الحسين بن علي ثار ليمرّغ أنف الحكومات المعادية للقيم الإسلامية والإنسانية والإلهية بالتراب ويقضي عليها.
هذا هو معنى مجالسنا... المجالس الحسينية معناها المجالس المعادية للظلم والهيمنة والمجالس المعادية لأمثال الشمر ويزيد وابن زياد في هذا العصر. هذا هو استمرار واقعة الإمام الحسين.
والعالم اليوم مليء بالظلم والجور. أنظروا ماذا يفعلون بشعوب العالم والفقراء والثروات الوطنية للبلدان. الأبعاد العظيمة لتحرك الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) تشمل كل هذه المساحة الواسعة. للإمام الحسين دروسه ليس للشيعة فقط، وليس للمسلمين فقط، بل لأحرار العالم كله.
قائد الحركة التحررية في الهند ذكر اسم الحسين بن علي قبل ستين أو سبعين سنة فقال لقد تعلّمتُ منه. والحال أنه هندوسي ولم يكن مسلماَ أصلاَ. وكذا الحال بين المسلمين. هذه هي واقعة الإمام الحسين.
أنتم خزّان هذه الجوهرة الثمينة التي يمكن للبشرية كلها أن تنتفع منها.
هكذا ينبغي أن يكون التوجه في عزاء الإمام الحسين: توسيع نطاق التبيين والإيضاح والتوعية، وتمتين إيمان الناس، وتكريس روح التدين عندهم، وتعزيز مشاعر الشجاعة والغيرة لدى الجماهير، وإخراجهم من حالات اللاأبالية والخمول والكسل... هذه هي معاني الثورة الحسينية وإحياء عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) في زماننا. لذلك فهو حي وسيبقي حياَ دائماَ.
ولجانبه العاطفي أيضاً تأثيره على عواطف كافة الناس ومشاعرهم. وجانبه المعنوي العميق ينير أذهان أصحاب الفكر والبصيرة. لقد ذكرت مراراً طوال السنوات الماضية عبارة الإمام أميرالمؤمنين(عليه الصلاة والسلام) إذ يقول: " ألا لا يحمل هذا العلم إلّا أهل البصر والصبر". إنها راية الإنسانية والإسلام والتوحيد التي لا يحملها إلّا من كانت فيه هاتان الخصلتان " البصر والصبر"... البصيرة والاستقامة. الإمام الحسين (عليه السلام) مظهر البصيرة والاستقامة. وهذا ما أثبته أتباع الإمام الحسين، فحينما ظهر بينهم بعد قرون من الزمان قائد كفوء، خلقوا هذه الحركة العظيمة. الثورة الإسلامية العظيمة حدث كبير وحكاية هائلة نقف نحن اليوم في أواسطها. الأبعاد العظيمة لهذا الحدث ليست واضحة جداً بالنسبة لنا. الذين سيأتون في مستقبل التاريخ والذين يقفون اليوم خارج هذا الكيان يرون أبعاد هذه الحركة وعظمتها أكثر منا. في عالم تتحرك فيه جميع الأموال والثروات والقوى والسياسات وكل شيء بالاتجاه المعاكس للقيم الإنسانية والدينية، يظهر فجأة في منطقة حساسة من العالم - منطقة جغرافية حساسة من العالم - نظام وشعب ثائر يريد رفع راية القيم الإنسانية و الصدع بنداء التوحيد. إنها معجزة.. هذه معجزة زماننا. ثم تشن عليه الهجمات من كل حدب وصوب... يهاجمه الكبير والصغير، الطواغيت وصغار الطواغيت بكل قواهم، فلا يُهزم إطلاقاً، وليس هذا وحسب بل يهزم الكثيرين منهم ويفرض عليهم التراجع، وتلاحظون اليوم مؤشرات تراجع الاستكبار. لقد انتصر الشعب الإيراني في هذا الكفاح.
(....)طبعاً كونوا واثقين وأنا واثق أن الله تعالى لن يحرمكم فضله، وذلك ببركة جهادكم وإيمانكم، فقد منّ الله تعالى بلطفه وعونه وهديه ودعمه على هذا الشعب وسيمنُّ عليه أيضاً، وسيكون النصر النهائي لشعب إيران ونظام الجمهورية الإسلامية.
نتمنّى أن يوفقكم الله تعالى جميعاً، ويسعد الأرواح الطيبة لشهدائنا، ويحشر روح الإمام المطهرة مع أوليائه ويمنّ عليكم جميعاً بالخير والأجر، ويرضي قلب الإمام المهدي المنتظر( أرواحنا فداه) عنّا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بعض من كلام الامام الخامنئي حفظه الله في حشد من أهالي مدينة قم
09/01/2008