بسم الله الرحمان الرحيم
"وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم"
أظلت ولاية الإسلام ما بين نقطة الغرب الأقصى إلى تونازني على حدود الصين في عرض ما بين فازان من جهة الشمال وبين سرنديب تحت خط الاستواء. أقطار متصلة، وديار متجاورة، يسكنها المسلمون، وكان لهم فيها السلطان الذي لا يغالب. أخذ بصولجان الملك منهم ملوك عظام، فأداروا بشوكتهم كرة الأرض إلا قليلاً. ما كان يهزم لهم جيش، ولا يعكس لهم علم، ولا يرد قول على قائلهم. قلاعهم وصياصيهم متلاقية، ومنابتهم و مغارسهم في سهوبهم "أراضيهم السهلة الواسعة" وأخيافهم "الأراضي المنحدرة على الجبل" رابية مزدهية بأنواع النبات، حالية بأصناف الأشجار، صنع أيدي المسلمين، ومدنهم كانت آهلة مؤسسة على أمن قواعد العمران تباهي مدن العالم بصنائع سكانها وبدائعهم، وتفاخرها بشموس الفضل، وبدور العلم، ونجوم الهداية، من رجال لهم المكان الأعلى في العلوم والآداب.
كان في نقطة الشرق من حكمائهم ابن سينا والفارسي والرازي ومن يشاكلهم، وفي الغرب ابن باجة وابن رشد وابن الطفيل ومماثلوم، وما بين ذلك أمصار تتزاحم فيها أقدام العلماء في الحكمة و الطب والهيئة والهندسة و سائر العلوم العقلية، هذا فضلا عن العلوم الشرعية التي كانت عامة في جميع طبقات الملة. كان خليفتهم العباسي ينطق بالكلمة فيخضع لها لغفور الصين (لغفور : لقب ملوك الصين) وترتعد منها فرائص أعظم الملوك في أوروبا. ومن ملوكه في قرونهم المتوسطة مثل محمود الغزنوي و ملكشاه السلجوقي، و صلاح الدين الأيوبي، وكان منهم في المشرق مثل تيمور الكركان، وفي الغرب السلطان محمد الفاتح، والسلطان سليم والسلطان سليمان العثماني، أولئك رجال قضوا ولم يطو الزمان ذكرهم و لم يمح أثرهم.
كانت لأساطيل المسلمين سلطة لا تباري في البحر الأبيض والأحمر والمحيط الهندي ولها الكلمة العليا في تلك البحار إلى زمان غير بعيد، كان مخالفوهم يدينون لملكوت فضلهم كما يذلون لسلطان عليهم. و المسلمون اليوم هم يملأون تلك الأقطار التي ورثوها عن آبائهم و دينهم لا ينقص عن أربعمائة مليون، وأفرادهم في كل قطر بما اشربت قلوبهم عن عقائد دينهم أشجع و أسرع إقدامًا على الموت ممن يجاورهم، و هم بذلك أشد الناس ازدراء بالحياة الدنيا و أقلهم مبالاة بزخرفها البطل، جاءهم القرآن بمحكم آياته يطالب الناظرين بالبرهان على عقائدهم، ويعيب الأخذ بالظنون والتمسك بالأوهام، ويدعو إلى الفضائل وعقائل الصفات، فأودع في أفكارهم جراثيم الحق وبذر في نفوسهم بذر الفضل، فهم بأصول دينية أنور عقلا وأنبه ذهنا وأشد استعدادًا لنيل الكمالات الإنسانية، وأقرب إلى الاستقامة في الأخلاق، وربما يرون لأنفسهم من الاختصاص بالشرف، وما وعدوا به على لسان كتابهم الصادق من إظهار شأنهم على شؤون العالم أجمع ولو كره المبطلون، لا يرغبون بسلطة لغيرهم عليهم، ولا يحوم بفكر واحد منهم أن يخضع لذي سطوة من سواهم، وإن بلغت من الشدة أو اللين ما بلغت. لما بينهم من الإخاء المؤزر بمناطق العقائد، يحسب كل واحد منهم أن سقوط طائفة من بني ملته تحت سلطة الأجانب سقوط لنفسه. ذلك إحساس يشعر به وجدانه ولا يجد عنه مسليا، وبما ساخ (غاص، ورسب) في نفوسهم من جذور المعارف التي أرشدهم إليها دينهم، ونالوا منه النصيب الأعلى في عنفوان دولتهم، يعدون أنفسهم أولى الناس بالعلم وأجدرهم بالفضل.
ذلك شأنهم الأول وهذا وصفهم الآن، ولكنهم مع هذا كله وقفوا في سيرهم بل تأخروا عن غيرهم في المعارف والصنائع عبد أن كانوا فيها أساتذة العالم، وأخذت ممالكهم تنقص أطرافها و تتمزق حواشيها مع أن دينهم يرسم عليهم أن لا يدينوا لسلطة من يخالفهم بل الركن الأعظم لدينهم طرح ولاية الأجنبي عنهم وكشفها عن ديارهم بل منازعة كل ذي شوكة في شوكته. هل نسوا وعد الله لهم بأن يرثوا الأرض وهم العباد الصالحون ؟ هل غفلوا عن تكفل الله لهم بإظهار شأنهم على سائر الشؤون ولو كره المجرمون ؟ هل سهوا عن أن اله اشترى منهم لإعادة كلمته أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة؟ لا. لا. إن العقائد الإسلامية مالكة لقلوب المسلمين حاكمة في إرادتهم وسواء في العقائد الدينية والفضائل الشرعية عامتهم وخاصتهم.
نعم يوجد للتقصير في إنماء العلوم، وللضعف في القوة أسباب أعظمها تخالف طلاب الملك فيهم، لأنا بينا أن لا جنسية للمسلمين إلا في دينهم، فتعدد الملكة عليهم كتعدد الرؤساء في قبيلة واحدة، والسلاطين في جنس واحد، مع تباين الأغراض وتعارض الغايات، فشغلوا أفكار الكافة بمظاهرة كل خصمن خصمه، وألهوا العامة بتهيئة وسائل المغالبة و قهر بعضهم لبعض، فأدت هذه المغالبات وهي أشبه شيء بالمنازعات الداخلية في الذهول عما نالوا من العلوم والصنائع، فضلا عن التقصير في طلب ما لم ينالوا منها، والأعسار دون الترقي في عواليها، ونشأ من هذا ما تراه من الفاقة والاحتياج وعقبه الضعف في القوة و الخلل في النظام، و جلب تنازع الأمراء على المسلمين تفرق الكلمة وانشقاق العصا، فلهوا بأنفسهم عن تعرض الأجانب العدوان عليهم.
هذا كان من أمراء المسلمين مع ما فيه من الضرر الفادح عندما كانوا منفردين في ميادين الوغى، لا يجاريهم فيها سواهم من الملل ولكن ضرب لفساد في نفوس أولئك الأمراء بمرور الزمان، وتمكن من طباعهم حرص وطمع باطل فانقلبوا مع الهوى، وضلت عنهم غايات المجد المؤثل، وقنعوا بألقاب الإمارة وأسماء السلطنة وما يتبع هذه الأسماء من مظاهر الفخفخة وأطوار النفخة ونعومة العيش مدة م الزمان، واختاروا موالاة الأجنبي عنهم المخالف لهم في الدين والجنس، ولجأوا للإستنصار به وطلب المعونة منه على أبناء ملتهم استبقاء لهذا الشبح البالي والنعيم الزائل.
هذا الذي أباد مسلمي الأندلس، وهدم أركان السلطنة التيمورية في الهند وفي أطلالها وعلى رسومها شيد الانجليز ملكهم بتلك الديار. هكذا تلاعبت أهواء السفهاء بالممالك الإسلامية، ودهورتها أمانيهم الكاذبة في مهاوي الضعف والوهن، قبح ما صنعوا وبئس ما كانوا يعملون، أولئك اللاهون بلذاتهم، العاكفون على شهواتهم، هم الذين بددوا شمل الملة، وأضاعوا شأنها، وأوقفوا سير العلوم فيها، وأوجبوا الفترة في الأعمال النافعة، من صناعة وتجارة وزراعة بما غلوا من أيدي بنيها.
ألا قاتل الله الحرص على الدنيا والتهالك على الخسائس، ما أشد ضررهما وما أسوأ أثرهما، نبذوا كلام الله خلف ظهورهم وجحدوا فرضًا من أعظم فروضه، فاختلفوا والعدو على أبوابهم. وكان من الواجب عليهم أن يتحدوا في الكلمة الجامعة، حتى يدفعوا غارة الأباعد عنهم، ثم لهم أن يعودوا لشؤونهم. ماذا أفادتهم المغالاة في الطمع والمنافسة في السفاسف ؟ أفادتهم حسرة دائمة في الحياة، و شقاء أبديا بعد الممات، وسوء ذكر لا تمحوه الأيام.
أما وعزة الحق و سر العدل، لو ترك المسلمون وأنفسهم بما هم عليه من العقائد من رعاية العلماء العاملين منهم، لتعارفت أرواحهم وائتلفت آحادهم، ولكن وا أسفا تخللهم أولئك المفسدون الذين يرون كل السعادة في لقب أمير أو ملك ولو على قربة لا أمر فيها ولا نهي. هؤلاء الذين حولوا أوجه المسلمين عما ولاهم الله وخرجوا على ملوكهم وخلفائهم، حتى تناكرت الوجوه وتباينت الرغائب.
الاتفاق والتضافر على تعزيز الولاية الإسلامية، من أشد أركان الديانة المحمدية، والاعتقاد به من أوليات العقائد عند المسلمين، لا يحتاجون فيه إلى أستاذ يعلم، ولا كتاب يثبت، ولا رسائل تنشر. إن رعاة المسلمين فضلاً عمن علاهم تتصاعد زفراتهم، وتفيض أعينهم من الدمع حزنًا وبكاء على ما أصاب ملتهم من تفرق الآراء، وتضارب الأهواء، ولولا وجود الغواة من الأمراء، ذوي المطامع في السلطة بينهم، لاجتمع شرقيهم بغربيهم، وشماليهم بجنوبيهم، ولبى جميعهم نداء واحدا. إن المسلمين لا يحتاجون في صيانة حقوقهم، إلا إلى تنبه أفكارهم لمعرفة ما به يكون الدفاع واتفاق آرائهم على القيام به عند لزومه وارتباط قلوبهم الناشئ عن إحساس بما يطرأ على الملة من الأخطار.
ألم تر أمة الروس هل تجد فيها ما يزيد على هذه الأصول الثلاثة، هي أمة متأخرة في الفنون والصنائع عن سائر أمم أوربا وليس في ممالكها ينابيع للثروة، ولئن كانت فليس هناك ما يستفيضها من الأعمال الصناعية، فهي مصابة بالحاجة والأعواز، غير أن تنبه أفكار آحادها لما به يكون الدفاع عن أمتهم واتفاقهم في النهوض به وارتباط قلوبهم صير لها دولة تميد لسطوتها رواسي أوربا. لم يكن لروسية مصانع لمعظم الآلات الحربية، ولكن يمنعها ذلك عن اقتنائها، ولم يرتق فيها الفن العسكري إلى حد ما عليه جيرانها، إلا أن هذا لم يقعدها عن جلب ضباط من الأمم الأخرى لتعليم عساكرها، حتى صار لجيشها صولة تخيف، وحملة تخشاها دول أوربا.فما الذي أقعدنا عن مشاكلة غيرنا، فيما هو أيسر الأشياء علينا، ونحن أشد الناس ميلا إليه : من رعاية شرف الملة و التألم بما يحط منه والتعاون على صون الوحدة الجامعة لنا عن كل ما يثلمها. ما ردّ الأفكار عن الحركة، وما أقعد الهمم عن النهوض، إلا أولئك المترفون، يحرصون على طيب في المطعم، ولين في المضجع، وتطاول في البنيان، وتفاخر بالخدم والخول ولا يراعون في حرصهم ما بعد يومهم، و يحافظون على لقب موضوع ورسم متبوع، يفنعون منه بالاحتفال لهم في المواسم والأعياد وهز الرؤوس وثني الأعطاف، تعظيمًا وتبجيلاً، ثم تذييل الأوراق الرسمية بأسماء ليس لها مسميات. هؤلاء الساقطون يرضون لتخيل هذه المواثل (جمع ماثل من الرسوم : ما ذهب أثره) بكل دنيئة، هؤلاء مقبلون من تصرف أعدائهم في بيوتهم مالا يقبله واحد من آحاد الناس دون موته، أولئك صاروا في أعناق المسلمين سلاسل وأغلالاً، يحبسون هذه الأسوة عن فريستها بل يجعلونها طعمة للثعالب، لا حول ولا قوة إلا بالله.
أيا بقية الرجال، ويا خلف الأبطال، و يا نسل الأقيال، هل ولى بكم الزمان، هل مضى وقت التدارك، هل آن أوان اليأس، لا، لا، معاذ الله أن ينقطع أمل الزمان منكم، إن من أدرنه إلى يشاور دولاً إسلامية متصلة الأراضي، متحدة العقيدة يجمعهم القرآن، لا ينقص عددهم عن خمسين مليونًا، وهم ممتازون لين أجيال الاس بالشجاعة والبسالة، أليس لهم أن يتفقوا على الذب والأقدام كما اتفق عليه سائر الأمم، ولو اتفقوا فليس ذلك ببدع منهم، فالاتفاق من أصول دينهم، هل أصاب الخدر مشاعرهم فلا يحسون بحاجات بعضهم البعض، أليس لكل واحد أن ينظر إلى أخيه بما حكم الله في قوله (إنما المؤمنون اخوة) فيقيمون بالوحدة سدًا يحول عنهم هذه السيول المتدفقة عليهم من جميع الجوانب.
لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصًا واحدًا، فإن هذا ربما كان عسيرًا، و لكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، ووجهة وحدتهم الدين، وكل ذي ملك على ملكه يسى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع فإن حياته بحياته و بقاءه ببقائه، إلا أن هذا بعد كونه أسباسًا لدينهم تقضي به الضرورة، و تحكم به الحاجة في هذه الأوقات.
هذا آن الاتفاق، هذا آن الاتفاق ألا إن الزمان يواسيكم بالفرص وهي لكم غنائم فلا تفرطوا، إن البكاء لا يحي الميت، إن الأسف لا يرد الفائت، إن الحزن لا يدفع المصيبة، إن العمل مفتاح النجاح، إن الصدق والإخلاص سلم الفلاح، إن الوجل يقرب الآجل، إن اليأس وضعف الهمة من أسباب الحتف (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) ألا لا تكونوا ممن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين، احذروا أن تقعوا تحت قول الله : (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون) إن القرآن حي لا يموت، ومن أصاابه نصيب من حمده فهو محمود، ومن أصيب بسهم من مقته فهو ممقوت، كتاب الله لا ينسخ فارجعوا إليه، وحكموه في أحوالكم وطباعكم (وما الله بغافل عما تعملون).
ولعل أمراء المسلمين قد وعظوا بسوء مغبة أعمال السالفين وهموا بملاقاة أمرهم، قبل أن يقضى عليهم، بما رزئ به المفرطون من قبلهم، ورجاؤنا أن أول صيحة تبعث إلى الوحدة وتوقظ من الرقدة، تصدر عن أعلاهم مرتبة، وأقواهم شوكة، ولا نرتاب في أن العلماء العاملين ستكون لهم اليد الطولى في هذا العمل الشريف، و الله يهدي من يشاء ولله الأمر من قبل ومن بعد.
________________________________________
من مقالات مجلة العروة الوثقى جمال الدين الأفغاني